بحزن وأسى، انتشر خبر وفاة الأستاذ أكبر گلپايگاني، ففقد برنامج “گلها” الإذاعي، بعد سنوات من البهجة وإضفاء العطر على المحافل الفنية، أحد أبرز نجومه، وقد اختاره القدر ليكون زهرة منتقاة في بستان الخلق.
آلاف المعجبين المخلصين ودّعوه، مستنشقين عبير وجوده، مستمعين إلى صوته الساحر، حتى وصلوا به إلى عتبة الجنة.
ومع أن گلپا رحل، فإن اسمه وذكراه باقية إلى الأبد، ويمكن تلخيص جوهر إرثه في الكلمات المفتاحية التالية:
1- الحبّ
«من أحبّ بصدق، لا يموت أبدًا»
أضاف گلپا، بحسب قوله، جهازًا جديدًا إلى السبعة أجهزة الموسيقية الإيرانية، وسماه جهاز “الحبّ”. لم يغنِ أي نغمة إلا وكان فيها ذكر الحبّ، سواء في المعاني أو الدلالات.
2- الوطن
كان حب الوطن في فكر وعمل گلپا حاضرًا بشكل خاص. وفي مختاراته الشعرية، كان دائمًا يولي الوطن عناية فائقة:
قلبي الممزق، كسرت حبك بصمت…
قبرتي ومهدي، أحكي عن الذين رحلوا وعن الذين بقوا…
يا وطني، يا جذري…
3- محبّة الناس
كان گلپا دائمًا مع الناس وإلى جانبهم، ولم تنجح التغيرات السياسية والاجتماعية أو الضغوط الاقتصادية في فصله عنهم. كان يفرح لأفراحهم ويحزن لأحزانهم، ولم يترك الناس في السلم ولا الحرب، ولم تمنعه قيود النشاط الفني من البقاء مرتبطًا بوطنه. هنا جذوره نبتت، وازدهرت، واستقرّت في هذه الأرض حتى رحل فيها.
4- الأعمال الفنية
بآثاره الخالدة، بقي أكبر گلپايگاني خالدًا، خاصة أن مضامين أعماله قيّمة ودائمة. اليوم، يستذكر الشعب الإيراني ذكراه بسماع أعماله الفنية، ويتعلم الطلاب منها أسلوبه المتميز، كونه نموذجًا جذابًا وشعبيًا من الموسيقى الإيرانية الأصيلة. أعماله، مثل الزهر والمرايا، تعكس جوهر شخصيته ووجوده.
حين رحل الزهر وتهدم البستان…
من أين نجد عبير الزهر، إلا من العطر؟ (رومي)
بلا شك، ستسجل صفحات التاريخ اسم أكبر گلپايگاني في مقدمة صفحات الفن المعاصر، وسيكون أسلوب حياته نموذجًا متميزًا للأجيال الحالية والمقبلة، كفنان عاشق، محب لوطنه، وشعبي.
شهد الشعب الإيراني الفنّي حضورًا كبيرًا في مراسم وداع گلپا في مقبرة بهشت زهرا، مؤكّدًا أن سنوات العزلة والصمت لم تمحو ذكراه من القلوب. گلپا حيّ وسيبقى حيًا، كما أن الحب حيّ وسيبقى حيًا.
وفي ضوء الأخبار المتكررة عن رحيل كبار الفنانين، خصوصًا وفاة الفنانين الثلاثة: كيومرت پورأحمد، داریوش مهرجویی، وأكبر گلپايگاني، يمكن الإشارة إلى ثلاث نقاط:
1- وفاة كيومرت پورأحمد تؤكد ضرورة اهتمام المسؤولين بالشخصيات الفنية، ومتابعة حياتهم وأفكارهم في المجالات السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية والثقافية والفنية. الإهمال قد يؤدي إلى خسارة لا تُعوّض في رأس المال البشري الفريد.
2- القتل المأساوي لـ داریوش مهرجویی يوضح أهمية توفير الأمن الشخصي والظروف اللازمة للنشاط الفني، فهو واجب على من يحفظون النظام والأمن الاجتماعي والثقافي.
3- أما أكبر گلپايگاني…
هل لم يحن الوقت بعد أربعين عامًا من الثورة الإسلامية لمراجعة السياسات الثقافية والفنية؟ لو أتيحت له فرصة الغناء بحرية في وطنه، هل كان يمكن أن يكون لذلك أي مضرة؟ وهل كنا سنشعر اليوم بمرارة سنوات العزلة والصمت وعبء الحزن على گلپا ومحبيه لو اتُخذت سياسة فنية حكيمة؟
اليوم، رحل گلپا ومن أمثاله، لكن يمكن تمهيد العودة للوطن للفنانين الذين قضوا أعمارهم في الغربة، وتعزيز الوحدة والتضامن الاجتماعي بدل سياسات التفريق والانقسام.
بقلم: د. بهزاد معافي، رئيس معهد الموسيقى طهران


