لحن الصديق

الوتر الجاف، الخشب اليابس، الجلد اليابس… من أين يأتي هذا الصوت الصديق؟

إنها ضربة الوتر هذه الصوت الرقيق… كيف يعزف الصديق؟ ومن أي خشب تأتي هذه الصيحات؟ لماذا يظهر عاريًا، يا وجه الصديق؟

العزف والغناء، مثل أي أمر مباح آخر، ليس محرّمًا في ذاته، ولا هو واجب، لكن أي أمر مباح لا يبقى دائمًا مباحًا تحت كل ظرف وزمان. فقد يؤدي التوافق والتزامن إلى تغيّر الحكم من الحلال إلى الحرام.

هذا المثال يساعد على تقريب الفكرة إلى الأذهان. وكما نعلم، العديد من الأحاديث والروايات ملفقة، وما يُعرف بالإسرائيليات. فإذا سُئل: هل نقل ونشر الحديث له مانع شرعي؟ فالجواب: لا مانع، بل على أهل العلم والخبرة والفقهاء التعرف على الأحاديث الصحيحة، وتبيينها، والاعتماد عليها لفهم الحكم الإلهي بشكل صحيح وضروري.

وبالمقابل، إذا كان الحديث أو الرواية معلومًا أنها ملفقة، فلا يجوز نشرها. لذلك، نشر الأحاديث الصحيحة مباح، ونشر الأحاديث المكذوبة ممنوع عقليًا وحرام شرعًا.

وبالمثل، يمكن القول إن العزف والغناء في ذاتهما لا يحملان صفة التحريم، إلا إذا كان نوع الاستفادة منهما مخالفًا للفطرة الإنسانية والطبيعة البشرية. ونظرًا لأن الإنسان بطبعه يميل إلى الموسيقى ويستمتع بسماع الأصوات الجميلة والمريحة للنفس، فقد اهتمّ الفقه الإسلامي بالموسيقى والغناء، لكن لم يضع الشرع حكمًا صريحًا يُلزم جميع الفقهاء بالإجماع، ولهذا تختلف الآراء عبر العصور، ويبقى باب البحث والنقاش مفتوحًا.

نظرًا لتأثير الموسيقى في المجتمعات المختلفة على جميع الطبقات، حاول الفقه الشيعي، ضمن حدود الشريعة، توجيه الموسيقى نحو ما هو مشروع وخالٍ من آثار محرمة.

وتقسيم الموسيقى إلى غنائية وغير غنائية، ومراجعة آراء الفقهاء القدماء والمتأخرين، ودراسة الآيات والروايات المتعلقة، يظهر أن ما قد يبرر تحريم الموسيقى في الإسلام هو ارتباطها بالابتذال أو الفساد. وهذا لا يقتصر على الموسيقى فقط، بل أي أمر مباح أو حتى واجب إذا اقترن بالحرام يتأثر به ويمكن أن يتغير حكمه الشرعي.

وفيما يخص الموسيقى الرفيعة، فإن هذا الاقتران قد يؤثر على أثرها الإيجابي، ويمنع الإنسان من الوصول إلى التوازن الأخلاقي والسمو الإنساني، وقد يؤدي بالعكس إلى الانحدار نحو الذنوب والفساد والتجاوزات والإدمان وغيرها من الرذائل الأخلاقية والاجتماعية. لذلك، يجب أن يُؤدى العزف والغناء في المجالس والاحتفالات الفنية دون أي اختلاط بالحرام أو التلوث الأخلاقي.

الأكل والشرب والتنقل والكلام، وهي أمور مباحة، ممنوعة عرفيًا أثناء أداء العزف والغناء لضمان تقدير الجلسة. ومن البديهي أن الاختلاط مع غير المحارم، أو شرب الخمر، أو الرقص المختلط، يحول الموسيقى، التي هي في الأصل غير محرمة، إلى أمر غير مرغوب ومحرّم.

من هذا المنطلق، يمكن دراسة الآثار الإيجابية والسلبية للموسيقى على الروح والفكر، والاجتماع، والاستنتاج أن الحلّية هي الأصل في الموسيقى، والتحريم مشروط ونسبِي.

ما يحتاجه الإنسان اليوم في خضم الحياة المادية وتعقيدات العالم الحديث والصناعي والآلي هو راحة الروح وهدوء النفس. وهذه الحاجة يمكن تلبيتها جزئيًا من خلال الاستفادة الصحيحة من الموسيقى، التي تنقل لحن الصديق من منابع المعنى والمعرفة والسلام والمحبة والجمال إلى أذن الإنسان الحقيقية.

أبدأ كلامي بمولانا جلال الدين الرومي، وأنهيه بلسان الغيب، حافظ الشيرازي:

مُطربُ الحبّ له آلة ونغمة عجيبة
فكل نغمة يضربها تفتح طريقًا إلى مكان

لا تخلو الدنيا من أنين العشاق
فلها نغم جميل ومنعش للروح

والسلام.

مقالات مرتبطة

Scroll to Top